ابن قيم الجوزية

275

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

ثم إنهم لكثرة استعمالهم لهذه اللفظة ودورانها في كلامهم أطلقوها على السكان تارة وعلى المسكن بحسب سياق الكلام وبساطه ، وإنما يفعلون هذا حيث لا لبس فيه ولا إضمار في ذلك ولا حذف . فتأمل هذا الموضع الذي خفي على القوم مع وضوحه . وإذا عرفت هذا فقوله : إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ليس في اللفظ ما يدل على إرادة موضع ولامكان أصلا فلا يجوز دعوى إضماره بل دعوى إضماره خطأ قطعا . لأنه يتضمن الأخبار بأن المتكلم أراد المحذوف ولم ينصب على إرادته دليلا لا صريحا ولا لزومها . فدعوى المدعي أنه أراده : دعوى باطلة . وأما قوله « بردى يصفق » فليس أيضا من باب حذف المضاف بل أراد ببردى النهر ، وهو مذكر ، فوصفه بصفة المذكر فقال « يصفق » فلم يذكر بناء على خذف المضاف ، وإنما ذكر بناء على أن بردى المراد به النهر . فإن قلت : فلا بد من حذف مضاف لأنهم إنما يسقون ماء بردى لأنفس النهر . قلت : هذا إن كان مراد الشاعر فلم يلزم منه صحة ما ادعاه من أنه ذكر « يصفق » باعتبار الماء المحذوف ، فإن تذكيره إنما يكون باعتبار إرادة النهر وهو مذكر ، فلا يدل على ما ادعوه . وأما قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « هذان حرام » ففي إفراد الخبر سر بديع جدا وهو التنبيه والإشارة على أن كل واحد منهما بمفرده موصوف بأنه حرام ، فلو ثنّى الخبر لم يكن فيه تنبيه على هذا المعنى . فلهذا أفرد الخبر ، فكأنه قال : كل واحد من هذين حرام فدل إفراد الخبر على إرادة الأخبار عن كل واحد واحد بمفرده . فتأمله فإنه من بديع اللغة . وقد تقدم بيانه في هذا التعليق في مسألة :